تاريخ العملات الرقمية (الجزء 2): قرصنة The DAO، جنون 2017 وانهيار سوق الكريبتو 2018

سنوات الجنون في الكريبتو: كيف صنع عام 2017 الأثرياء ودمر شتاء 2018 الأحلام؟

سنوات الضياع
شتاء الكريبتو

📃مقدمة: سنوات المراهقة الصعبة – من البراءة إلى الجنون ؟

إذا كان( الجزء الأول )من رحلتنا قد حكى قصة "الولادة"؛حيث خرجت بيتكوين من رحم الأزمة المالية لعام 2008 كحلمٍ عن مالٍ بلا بنوك ولا قيود…فإن هذا الجزء يروي قصة مختلفة تمامًا.

📑إنها قصة التمرد ؟

بين عامي 2015 و2019،ودّع عالم العملات الرقمية (Crypto) براءته إلى الأبد.لم يعد الأمر مجرد تجربة تقنية في غرف المبرمجين،

بل تحوّل إلى ساحة صراع عالمية داخلها طموح، طمع، خوف… ومليارات الدولارات.

📌في هذه السنوات :

  • أصبح البلوك تشين أكثر من سجل معاملات.
  • تحوّلت الإيثيريوم إلى عقل ينفّذ العقود.
  • وصعد السوق بجنون… قبل أن ينهار بلا رحمة.

⚙️في هذا المقال، سنكشف لك الوجه المظلم والمثير من تاريخ الكريبتو:

  • كيف تسبب كود واحد في أكبر كارثة وانقسام بتاريخ الإيثيريوم؟
  • كيف صنع عام 2017 أسرع أثرياء في التاريخ وأضخم فقاعة ICO؟
  • وكيف جاء شتاء 2018 ليبخّر أكثر من 80% من الأموال ويعيد تشكيل السوق من الصفر؟

هذه ليست مجرد أرقام أو تواريخ…إنها قصة تحوّل العملات الرقمية من "مزحة تقنية"إلى نظام مالي ناشئ يهدد عروش البنوك والحكومات.اربط حزامك…فنحن على وشك الدخول في سنوات الجنون.

📃اولا.حادثة The DAO – عندما انقسم الإيثيريوم (2016) :

ايثيريم
The DOA

​بعد إطلاق الإيثيريوم (Ethereum) في 2015، لم يعد الحديث مقتصرًا على كونها مجرد "عملة رقمية"، بل تحول الطموح إلى استخدام تقنية البلوك تشين لبناء منصة عالمية عملاقة، وعالم كامل يعمل بدون وسطاء.

​أول تجربة حقيقية وملموسة لهذه الرؤية الثورية كانت مشروعًا طموحًا يحمل اسم: The DAO.

📑ما هي The DAO؟ (حلم المنظمة الذكية) :

​الكلمة هي اختصار لـ Decentralized Autonomous Organization، وتعني: المنظمة المستقلة اللامركزية.

🔗​الفكرة كانت ثورية:

تخيل شركة استثمارية عالمية، لكن بدون مدير، بدون بنك، وبدون مقر شركة. من يديرها إذن؟ العقود الذكية (Smart Contracts) فقط.

​📌كانت الآلية تعمل بدقة:

  • ​المستثمرون يرسلون عملة ETH.
  • ​العقود الذكية تقرر أين تذهب الأموال بناءً على تصويت الجمهور.
  • ​لا يوجد تدخل بشري مباشر.

🔥النتيجة؟

نجاح ساحق. تم جمع أكثر من 150 مليون دولار من آلاف المستثمرين، ليصبح أكبر تمويل جماعي في تاريخ العملات الرقمية وقتها.

📑أين انهار الحلم؟

​في يونيو 2016، اكتشف أحد المهاجمين ثغرة منطقية في كود العقد الذكي.المفارقة المرعبة هنا أن المهاجم:

  • ❌ لم يخترق الشبكة.
  • ❌ لم يكسر التشفير.
  • ✅ بل استخدم الكود كما هو مكتوب ليسحب الأموال!

🔥النتيجة؟

سرقة ما يقارب 50 مليون دولار في ساعات، وصدمة عالمية هزّت الثقة في الإيثيريوم وسوق الكريبتو بأكمله.

📑الانقسام التاريخي (The Hard Fork) ؟

هنا ظهر سؤال فلسفي خطير: هل الكود هو القانون (Code is Law)؟ أم أن البشر يجب أن يتدخلوا لتصحيح الخطأ؟

🔗​انقسم مجتمع الإيثيريوم إلى معسكرين، وحدث الانقسام العظيم:

1️⃣​المعسكر الأول (المحافظون) :

قالوا "البلوك تشين لا يُغيَّر مهما حدث". هؤلاء بقوا على السلسلة القديمة التي تسمى اليوم Ethereum Classic (ETC).

2️⃣المعسكر الثاني (الأغلبية) :

قالوا "حماية المستخدم أهم من قدسية الكود". قاموا بتحديث الشبكة واستعادة الأموال، وأنشأوا Ethereum (ETH) الذي نعرفه اليوم.

🔗لماذا تُعد هذه الحادثة نقطة تحوّل؟

​هذه الحادثة علّمت سوق الكريبتو دروسًا قاسية لا تزال سارية حتى اليوم:​

  • أسقطت وهم أن العقود الذكية معصومة من الخطأ.
  • ​أثبتت أن الحوكمة (Governance) وقرار المجتمع أخطر وأهم من التقنية نفسها.
  • ​مهدت لانفجار المشاريع في العام التالي.. لكنها فتحت الباب أيضًا للاحتيالات.

​من هنا، لم يعد سوق العملات الرقمية تجربة بريئة أو ملعبًا تجريبيًا… بل أصبح نظامًا عالي المخاطر، وعام 2017 كان ينتظر خلف الباب، حاملًا معه جنون الـ ICO وأكبر فقاعة عرفها تاريخ الكريبتو.

📃ثانيا: عام الجنون 2017 – انفجار الـ ICO ووصول بيتكوين إلى القمة ؟

عام الصعود
عام الجنون 2017

بعد صدمة The DAO وانقسام الإيثيريوم، كان المفروض أن يتعلّم سوق العملات الرقمية الدرس ويهدأ قليلًا… لكن الذي حدث كان العكس تمامًا.

​في 2017، لم يعد الكريبتو نقاشًا تقنيًا بين المبرمجين، بل تحول إلى "حمّى عالمية".

أي شيء مكتوب عليه كلمة Blockchain كان يعني شيئًا واحدًا فقط للجماهير: المال قادم… وبسرعة.

​📑ما هو الـ ICO؟ (وقود الانفجار) ؟

​كلمة السر في هذا العام كانت ICO، وهي اختصار لـ Initial Coin Offering (طرح العملة الأولي).

​الفكرة بسيطة وخطيرة: بدلًا من اللجوء للبنوك أو المستثمرين الكبار، يمكن لأي فريق مطورين أن يكتب "ورقة بيضاء" (Whitepaper) تشرح فكرتهم، وينشئون "توكن" جديدًا على شبكة الإيثيريوم، ثم يبيعونه للناس قبل أن يبنوا أي شيء!

  • ​لا توجد أسهم.
  • ​لا توجد قوانين تنظيمية.
  • ​لا توجد رقابة.

🔥​النتيجة؟ جنون مطلق 

آلاف المشاريع ظهرت في شهور، ومليارات الدولارات جُمعت من مستثمرين بلا خبرة، والقصص عن أرباح 1000% ملأت الإنترنت.

​📑بيتكوين تكسر كل التوقعات ؟

​وسط هذا الصخب، كانت البيتكوين (Bitcoin) تقود المسيرة نحو المجد.

  • ​في بداية العام: كان السعر أقل من 1,000$.
  • ​في نهاية العام: لامس السعر سقف الـ 20,000$!

​الإعلام العالمي دخل بقوة، سائقو التاكسي والطلاب وربات البيوت بدأوا الشراء. كان الشعور السائد هو: "هذه ليست فقاعة… هذه بداية نظام مالي جديد سيحل محل الدولار."

📑الوجه المظلم للجنون؟

​لكن خلف شاشات التداول الخضراء، كانت الكارثة تتشكل.

  • ​معظم مشاريع الـ ICO كانت مجرد "حبر على ورق".
  • ​فرق مجهولة جمعت الملايين واختفت.
  • ​استثمارات ضخمة بُنيت على الطمع الخالص (FOMO) وليس على القيمة الحقيقية.

​القليل كان يبني تقنية حقيقية… والكثير كان ينسخ الأكواد ويبيع الوهم.

📑لماذا كان 2017 أخطر عام في التاريخ؟

​لأنه أدخل الملايين إلى السوق بدون وعي، وضخّم الأسعار أسرع من نضوج التقنية، وصنع ثقة زائفة بأن "السعر لا ينزل أبدًا"

🔗مع نهاية 2017، بدأت الحقيقة بالظهور :

ما صعد بسرعة الصاروخ… كان سيسقط بسرعة النيزك ،المحتفلون بالعام الجديد لم يكونوا يعلمون أن عام 2018 ينتظرهم خلف الباب بعنوان واحد فقط: الشتاء القارس.

📃ثالثا: شتاء الكريبتو (2018)– عندما انفجرت الفقاعة وخسر السوق 80%؟

انفجار الفقاعة
شتاء الكريبتو

​بعد نشوة عام 2017، كان الجميع يعتقد أن الصعود أبدي، وأن سوق العملات الرقمية لن يعود للوراء أبدًا.

لكن القاعدة الاقتصادية القديمة لا ترحم: "كل فقاعة لا بد أن تنفجر".

​مع بداية 2018، بدأت الأسعار تتراجع ببطء… ثم تحوّل الهدوء فجأة إلى انهيار شامل لم يترك أحدًا.

🔗كيف بدأ السقوط؟ (الانهيار الكبير) ؟

​المستثمرون الأوائل بدؤوا جني الأرباح وخرجوا، بينما بقي "الهواة" متمسكين بالأمل. وفجأة، تحول الطمع إلى رعب، وبدأت موجة بيع جماعي (Panic Selling)

  • ​بيتكوين (Bitcoin): هوت من قمة 20,000$ إلى قاع سحيق عند 3,200$ بنهاية العام.
  • ​أكثر من 80% من القيمة السوقية للكريبتو تبخرت في الهواء.
  • مقبرة الـ ICO ومشاريع الإيثيريوم الوهمي

​الواقع كان أقسى على العملات البديلة المبنية على شبكة الإيثيريوم.

📑مشاريع الـ ICO التي وعدت بتغيير العالم؟

  • 90% منها اختفى تمامًا.
  • ​مواقع أُغلقت، وفرق هربت بالأموال، وتوكنات أصبحت قيمتها صفرًا.

​ما كان يُسمى "استثمارًا في تكنولوجيا المستقبل"، اتضح للكثيرين أنه كان مجرد مقامرة جماعية.

📑من الطمع إلى الرعب؟

​السيولة جفّت، والأسعار تجمّدت. واختفى "المؤثرون" الذين كانوا يطبّلون للسوق.

📌وهنا ظهر الوجه القاسي للإعلام:

"الإعلام الذي كان يهلل للبيتكوين بالأمس، صار اليوم يعلن موت العملات الرقمية."

​📑لماذا كان هذا "الشتاء" ضروريًا؟

​هنا المفارقة التي لم يلحظها إلا الأذكياء.

بينما كان الجميع يهرب، كان المطورون الحقيقيون يواصلون العمل بصمت لتطوير بنية البلوك تشين (Blockchain).

  • ​الضجيج مات.. والبناء بدأ
  • ​هذا الانهيار نظّف السوق من الوهم والمحتالين.
  • ​الشتاء لم يكن نهاية القصة… كان اختبارًا قاسيًا للتحمل.

​ومن استطاع النجاة من صقيع 2018، كان يستعد لمرحلة أخطر وأذكى.

مع نهاية العام، كان السوق منهكًا… لكنه لم يمت،وفي 2019، ظهرت محاولة غير متوقعة من عملاق التكنولوجيا فيسبوك لتقلب الطاولة على الجميع.

📃رابعا:هدوء ما قبل العاصفة – عندما حاول فيسبوك السيطرة (مشروع Libra)

هدوء ما قبل الغاصفه
مشروع Libra

​بعد شتاء 2018 القاسي، كان سوق العملات الرقمية (Crypto) في حالة إنهاك تام.

لا حماس، لا ضجيج إعلامي، ولا وعود سريعة بالثراء ،لكن تحت هذا الهدوء الظاهري… كان وحش الكريبتو الأكبر على الإطلاق يتهيأ لدخول الساحة.

📑​المفاجأة: فيسبوك يدخل المشهد ؟

في منتصف 2019، أعلن عملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك (Meta حاليًا) عن مشروع عملة رقمية عالمية باسم: Libra.

هنا تغيرت النظرة لسوق العملات الرقمية تمامًا ،لم نعد نتحدث عن مبرمجين مجهولين، بل عن واحدة من أكبر شركات العالم تريد إصدار أموالها الخاصة.

📑ما الذي أراده فيسبوك؟ (بنك عالمي في جيبك) :

فيسبوك لم يكن يريد عملة للمضاربة مثل البيتكوين (Bitcoin)، بل هدفه كان:

  • عملة مستقرة (Stablecoin) مدعومة بسلة عملات حقيقية.
  • دمج مباشر داخل واتساب (WhatsApp) وماسنجر.
  • خدمة مليارات المستخدمين فورًا.

📌​الهدف المرعب: 

أن يصبح فيسبوك بنكًا عالميًا يتجاوز الحدود وينافس الدولار واليورو.

🔗العالم يرتعب: الحكومات ضد التقنية :

لأول مرة شعرت الحكومات والبنوك المركزية بخطر وجودي ،إذا نجح مشروع Libra، فقدت الدول سيطرتها على المال.

  • ​الكونغرس الأمريكي استدعى مارك زوكربيرغ للتحقيق.
  • وزراء مالية أوروبا أعلنوا الحرب على المشروع.
  • ​البنوك ضغطت على الشركاء (Visa, MasterCard) للانسحاب.

🔗لماذا كان 2019 عامًا محوريًا رغم فشل Libra؟

📌​نهاية التجاهل: 

الحكومات أدركت أن العملات الرقمية تهديد حقيقي للأمن المالي.

📌سباق العملات الحكومية: 

بدأت الصين وأوروبا التفكير بجدية في إصدار العملات الرقمية الرسمية (CBDC).

📌دخول المؤسسات الكبرى: 

الصناديق الاستثمارية لم تعد تسخر من الكريبتو، بل بدأت تدرسه بجدية.

🔗​مع نهاية 2019، انتهت مرحلة اللعب.

السوق أصبح هادئًا، لكن الأساسات كانت تُصب لمرحلة جديدة تمامًا… مرحلة ستدخل فيها المؤسسات الكبرى، وتبدأ المعركة الحقيقية على مستقبل المال.

⚠️ تنويه وإخلاء مسؤولية (Disclaimer):

المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض تعليمية وإخبارية بحتة، ولا تُعد بأي حال من الأحوال نصيحة مالية، قانونية، أو توصية استثمارية.

  • مخاطر السوق: سوق العملات الرقمية (Cryptocurrencies) يتسم بتقلبات عالية ومخاطر قد تؤدي لفقدان رأس المال.

  • بحثك الشخصي: نؤكد على ضرورة القيام ببحثك الخاص (DYOR) واستشارة مستشار مالي معتمد قبل اتخاذ أي قرار.

  • القوانين المحلية: يرجى مراجعة القوانين المنظمة للأصول الرقمية في بلد إقامتك.

  • المسؤولية: الكاتب ومدونة (AbduTech) غير مسؤولين عن أي قرارات مالية أو قانونية يتم اتخاذها بناءً على هذا المحتوى.

📃الخاتمة: عندما انتهت البراءة وبدأت حرب المؤسسات

انتهاء سنوات البراءة
حرب المؤسسات

بين عامي 2015 و2019، فقدت العملات الرقمية (Crypto) براءتها إلى الأبد.

لم تعد مجرد فكرة رومانسية عن "مال بلا بنوك"، ولا تجربة تقنية محصورة في غرف المبرمجين.

​🗒في هذا الجزء، عشنا الرحلة كاملة:

  • ​رأينا كيف جعل الإيثيريوم (Ethereum) المال ذكيًا.
  • ​وكيف أثبتت حادثة The DAO أن الكود قد يخطئ.
  • ​عشنا جنون الطمع في 2017، ومرارة السقوط الحر في شتاء 2018.
  • ​وشاهدنا كيف أعلن 2019 أن اللعبة أصبحت أكبر من الأفراد بدخول عمالقة مثل فيسبوك.

🔗الدرس الأهم: البقاء للأقوى :

​السوق تعلّم الدرس بالطريقة الصعبة ،الضجيج اختفى، والمقامرون خرجوا، والوهم سقط ،والذين بقوا في سوق الكريبتو، بدأوا يفكرون بعقل مختلف تمامًا.

​📌لم يعد السؤال: "كم سيرتفع السعر غدًا؟"

📌بل أصبح السؤال الحقيقي: "من يملك القوة؟ ومن يضع القواعد؟"

​هنا، خرجت العملات الرقمية من مرحلة الفوضى، ودخلت مرحلة الصراع الحقيقي بين:

  • اللامركزية والدول. 
  • الحرية والتنظيم. 
  • الأفراد والمؤسسات.

🔗ماذا ينتظرنا في الجزء الثالث؟

​القصة لم تنتهِ… بل بدأت للتو.

🔗في الجزء القادم، سننتقل إلى العصر الحديث:

  • ​جائحة كورونا.
  • ​طباعة الأموال بلا حدود.
  • ​دخول إيلون ماسك وشركات "وول ستريت".

​وكيف تحوّل البيتكوين من ثورة هامشية، إلى أصل مالي عالمي تعترف به الدول وتخاف منه في آنٍ واحد.

🔗اليكم قائمة بافضل المصادر الموثوقة :

​لا تنسَ متابعة المدونة حتى لا يفوتك أي جديد إذا كان لديك أي استفسار أو اقتراح، يسعدني أن أقرأه في التعليقات. شارك المقال مع من تعتقد أنه سيستفيد، وابدأ رحلتك في عالم العملات الرقمية بثقة. المستقبل يبدأ الآن… فكن جزءًا منه.

​💬 شاركنا رأيك في التعليقات:

في أي عام دخلت أنت عالم العملات الرقمية؟ وهل كنت ممن عاصروا جنون 2017؟

✍️ مدونة عبدوتيك - AbduTech
تعليقات